فخر الدين الرازي
269
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : قرئ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ أي أحل اللّه وقرأ عبد اللّه الرفوث . المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة ، ومنه قول العباس بن مرداس : فقلنا أسلموا إنا أخوكم * فقد برئت من الأحن الصدور وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من لَيْلَةَ الصِّيامِ ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة . المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش ، وأنشد الزجاج : ورب أسراب حجيج كقلم * عن اللغا ورفث التكلم يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [ البقرة : 197 ] وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم : وهن يمشين بنا هميسا * أن يصدق الطير ننك لميسا فقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء ، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه . فإن قيل : لم كنى هاهنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 21 ] فَلَمَّا تَغَشَّاها [ الأعراف : 189 ] أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ * [ النساء : 43 ] دَخَلْتُمْ بِهِنَّ * [ النساء : 23 ] فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [ البقرة : 223 ] مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ * [ البقرة : 236 ] فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [ النساء : 24 ] وَلا تَقْرَبُوهُنَّ [ البقرة : 222 ] . جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم ، واللّه أعلم . المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 21 ] . المسألة السابعة : قوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن « ليلة » نصب على الظرف ، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث ، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لأكله ، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ ، وأما الذي بعده من قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ ، وأما الذي يقول : إن قوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ يفيد حل الرفث في الليل ، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله : كُلُوا وَاشْرَبُوا . أما قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ،